السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
556
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وأما قوله : جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، فالمراد بالعرض السعة وهو استعمال شائع ، وكأن التعبير كناية عن بلوغها في السعة غايتها أو ما لا يحدها الوهم البشري ، وله معنى آخر سنشير اليه في البحث الروائي الآتي . وقوله : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ كالتوطئة لذكر ما يذكره بعد من أوصاف المتقين ؛ فإن الغرض هو بيان الأوصاف التي ترتبط بحال المؤمنين في المقام أعني عند نزول هذه الآيات وقد نزلت بعد غزوة أحد وقد جرى عليهم ومنهم ما جرى من الضعف والوهن والمخالفة ، وهم مع ذلك مشرفون على غزوات أخر مثلها ، وحوادث تشابهها ، وبهم حاجة إلى الاتحاد والاتفاق والتلاؤم . قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ إلى آخر الآية ؛ السراء والضراء ما يسر الإنسان وما يسوؤه أو اليسر والعسر ، والكظم في الأصل هو شد رأس القربة بعد ملئها فاستعير للإنسان إذا امتلأ حزنا أو غضبا ، والغيظ هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه ، بخلاف الغضب فهو إرادة الانتقام أو المجازاة ، ولذلك يقال : غضب اللّه ولا يقال : اغتاظ . وفي قوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، إشارة إلى أن ما ذكره من الأوصاف معرف لهم ، وإنما هو معرف للمحسنين في جنب الناس بالإحسان إليهم ، وأما في جنب اللّه فمعرفهم ما في قوله تعالى : وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( الأحقاف / 13 ) بل هذا الإحسان المذكور في هذه الآيات هو المحتد للمذكور في قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، الآية ؛ فإن الإنفاق ونحوه إذا لم يكن لوجه اللّه لم يكن له منزلة عند اللّه سبحانه على ما يدل عليه قوله تعالى فيما سبق من الآيات : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا ، الآية ؛ وغيره . قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - إلى قوله - : وَنِعْمَ